Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
قصص قصيرة

كنا نظن ابناء صالحون

في الليلة الأولى التي عدنا فيها إلى البيت المؤقت الذي استأجرناه جلسنا حول طاولة صغيرة.
الطعام كان بسيطا أرز دجاج مشوي سلطة.
لكنني شعرت أنني أتناول أغلى وجبة في حياتي.
كنا أربعة.
أمي ماريا دييغو وأنا.
أربعة مكتملون.
أمي قلت ممسكا يدها نحن هنا. ولن نرحل.
نظرت إلي طويلا.
كان في عينيها شيء لم أره منذ طفولتي.
اطمئنان.
الحمد لله همست.
مرت الأشهر.
استقلنا من أعمالنا في الخارج.
اتصل بي مديري في دبي أكثر من مرة.
قال إنني أرتكب خطأ كبيرا.
قال إنني أضيع مستقبلي.

ربما كان على حق من منظور واحد.
لكن كل صباح حين كنت أرى أمي تمشي في الفناء ببطء تسقي النباتات الصغيرة تلمس أوراقها كأنها تلمس الحياة نفسها كنت أعلم أنني لم أخسر شيئا.
افتتحنا مشروعا صغيرا في الحي.
متجر بسيط لبيع المواد الغذائية.
لم يكن هدفنا أن نصبح أثرياء.
كان هدفنا أن نعيش بكرامة.
كنت أقف خلف المحاسبة أحيانا وأفكر قبل عام واحد فقط كنت أقف أمام مخططات عملاقة من الحديد والزجاج والآن أقف أمام أكياس أرز وزيت وسكر.
لكنني لم أشعر يوما بهذا القدر من السلام.

في الوقت نفسه بدأنا نتحدث مع مهاجرين آخرين.
كثيرون منهم كانوا يرسلون أموالهم عبر أقارب أو أصدقاء.
بلا توثيق.
بلا متابعة.
كنا نجلس معهم نخبرهم قصتنا بالتفصيل.
نشرح لهم أهمية التحويلات المباشرة.
نعلمهم كيف يطلبون إثبات الاستلام.
كيف يتأكدون بأنفسهم.
لم نرد لأم أخرى أن تموت جوعا في صمت بينما يظن أبناؤها أنها تعيش في رخاء.
ذات ليلة بينما كنا نشرب القهوة في غرفة الجلوس تحدثت أمي فجأة
يا أبنائي هل تعرفون ما كان أشد ألما من كل ذلك
نظرنا إليها بصمت.

لم يكن الجوع قالت ولا البرد ولا الإهانة.
توقفت لحظة ثم أكملت
كان أن أظن أنكم ربما تخليتم عني.
أن أظن أنني لم أعد في بالكم.
شعرت بصدري ينقبض.
اقتربت منها وعانقتها بقوة.
لم نتخل عنك يا أمي. فقط ضللنا الطريق قليلا. ظننا أن المال يكفي.
هزت رأسها ببطء.
المال لا يعانق أحدا ولا يجلس بجانبك حين تمرض.
كانت كلماتها بسيطة لكنها كانت أثقل من أي خطاب.
ومع مرور الوقت بدأت أمي تستعيد قوتها.
صار وجهها أكثر امتلاء.
عاد لون الحياة إلى عينيها.

وفي أحد الأيام بينما كنا نغلق المتجر في المساء قالت لي ماريا
هل تندم
نظرت إليها.
على ماذا
على ترك كل شيء هناك.
فكرت قليلا.
تذكرت راتبي الكبير.
شقتي المطلة على الأبراج اللامعة.
سيارتي.
رحلاتي.
ثم تذكرت صورة أمي على الحصير جلدا وعظما.
لا قلت أخيرا لا أندم.
النجاح لا يقاس بالمال الذي تجمعه.
يقاس بمن يكون معك عندما تعود إلى المنزل.
تعلمت أن الوجود أهم من التحويل.
أن المكالمة لا تعوض الزيارة.
أن الاطمئنان عبر الشاشة ليس كالنظر في العينين.

وإن تعلمت شيئا من كل هذا فهو الآتي
لا يكفي أن ترسل المال.
عليك أن ترسل وقتك.
اهتمامك.
حضورك.
عليك أن تسأل مرتين.
أن تتحقق.
أن لا تكتفي بكلمة أنا بخير عبر شاشة باردة.
أن تنظر في العيون لا في الكاميرا فقط.
أن تسمع الصمت بين الكلمات لا الكلمات وحدها.
عليك أن تلاحظ التردد في الصوت.
أن تسأل عن التفاصيل الصغيرة.
عن الجيران.
عن الطعام.
عن النوم.
عن الصحة.
عن الأشياء التي لا تذكر عادة لكنها تقول كل شيء.

لأنك إن وصلت متأخرا
قد لا تجد سوى كوخ شبه منهار
وجدرانا باردة لا تعرف اسمك
وأما على حافة الموت جوعا
تبتسم كي لا تقلقك.
وليس كل القصص تمنح فرصة ثانية.
بعض الأمهات لا ينتظرن كثيرا.
بعض القلوب لا تحتمل الغياب الطويل.
بعض الأعذار لا تصلح ما كسر.
نحن كدنا أن نخسرها.
كدنا أن نخسرها لأننا ظننا أن الحب يمكن أن يقاس بالأرقام.
أن التحويل الشهري يكفي.
أن المبلغ الكبير يعوض الغياب الكبير.
أن المكافأة

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى