ثم قال: فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروا الهلال، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين، فهذه أخبار صريحة صحيحة ظاهرها العموم، ولكن الناس قد لا يثقون ببعض الدول في رؤيتها، وقد يتهمون بعض الدول بأنها تعتمد على الحساب والحساب لا يعتمد عليه عند جميع أهل العلم. أجمع العلماء من أصحاب النبي ﷺ ومن تبعهم بإحسان إلى أنه لا يعتمد الحساب في الرؤية، حكى ذلك أبو العباس ابن تيمية وجماعة، وحكى بعضهم خلافاً شاذاً في ذلك.
فالحاصل أن الحساب لا يعتمد عليه بنص الرسول ﷺ، فدعوى الناس أن الحساب ينبغي أن يعتمد عليه، وأنه متى ولد الهلال اعتمد ومتى لم يولد لم يعتمد هذا مصادم للسنة، ومصادم لقوله: إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب، هذا يجب أن يطرح، وأن يعمل بقوله ﷺ: صوموا لرؤيته الحديث.. لا تصوموا حتى تروا الهلال، والنبي ﷺ أنصح الناس وأفصح الناس وأعلم الناس
وأكملهم أمانة، فلو كان يجوز للناس أن يعتمدوا الحساب لقال: إذا عرفتم الحساب وتبين لكم الحساب فاعتمدوه، يعرف أن يقول هذا الكلام، وهو أقدر الناس على الكلام عليه الصلاة والسلام، وهو مأمور بالبلاغ فقد بلغ البلاغ المبين عليه الصلاة والسلام، فلم يقل للناس: احسبوا واعتمدوا الحساب إذا وجد فيكم من يحسب، ولا تزال الأمة أكثرها لا يعرف الحساب من شرقها إلى غربها، ثم لو عرفه نصفهم أو أكثرهم أو كلهم لم يجز لهم أن يعتمدوه؛ لأن عليهم الاتباع لا الابتداع، عليهم أن
يتبعوا الرسول ﷺكما قال الله : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، وقال سبحانه: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ.. [النور:63] يعني: يحيدون عن أمره أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]، ويقول : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النور:56]، ويقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59]،
قال أهل العلم: الرد إلى الله الرد إلى القرآن العظيم، والرد إلى الرسول ﷺ الرد إليه في حياته عليه الصلاة والسلام، وبعد وفاته الرد إلى سنته الصحيحة، في حياته كان يعمل بالرؤية فإن لم ير أكمل الشهر، وبعد وفاته أرشدنا ماذا نعمل قال: افعلوا كذا وافعلوا كذا، فالواجب على الأمة أن تمتثل أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن تقف عند الحد الذي حده، وأن تحذر خلاف ذلك، فإذا لم تقتنع الدولة المعينة لرؤية الدولة الأخرى اعتمدت رؤيتها عندها وعلماءها عندها، فتنظر
ما يقوله العلماء عندها علماء الشرع وتعتمد على ذلك ولو خالفت دولة أخرى؛ لأنها قد لا تقتنع برؤيتها، قد تظن أنها أخطأت في رؤيتها، أو الشهود أخطئوا، فليس في إمكان الناس أن يجمعوا قلوب الناس وعقولهم على عقل واحد ورأي واحد، هذا إلى الله سبحانه وتعالى، فمن اطمأن إلى رؤية البلد أو الدولة صام معها قرب أو بعد، ومن لم يطمئن لأن الدولة تحكم غير الشريعة ولا تحكم بالشريعة، أو لأسباب أخرى منعت من اتباع تلك الدولة فإنه يستقل ويعمل بما ثبت لديه من الرؤية ولو سبقت دولة أخرى أو تأخر عنها في الصوم والفطر،
فالأمر في هذا واسع والحمد لله ولا حرج على الناس في ذلك، ولا يضرهم اختلاف صومهم وعيدهم، لا يضرهم في ذلك ماداموا متمسكين بالشرع وطالبين ما قاله الله ورسوله، ومتمسكين بحكم الله ورسوله، لا يضرهم ذلك والله ولي التوفيق.
المقدم: جزاكم الله خيراً، معنى هذا أن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز يميل إلى الرأي القائل بأن لكل بلد رؤيته؟ الشيخ: نعم، عند عدم تيسر الاجتماع، أما إذا تيسر الاجتماع واطمأن الناس إلى دولة يثقون بها ويطمئنون إليها فإنهم يجتمعون عليها، وعندي أن الدولة السعودية أولى الدول في هذا المقام؛ لأن المحاكم بحمد الله تعتني بهذا وتجتهد في
توثيق الشهود ولا تعمل إلا بالرؤية، فإذا عمل الناس بما ثبت في السعودية فقد أحرزوا لدينهم، وقد احتاطوا لدينهم والحمد لله.
المقدم: بارك الله فيكم، مع الأخذ بعين الاعتبار فارق الساعات التي قد يستمع إليها أهل الشرق أو أهل الغرب سماحة الشيخ؟ الشيخ: نعم، لابد من هذا لابد منه، لكن متى اتفقوا معهم في ليلة ولو في الجزء الأخير عمهم الأمر. نعم.
المقدم: بارك الله فيكم.