تعتبر مسألة الجماع في نهار رمضان من المسائل الفقهية الهامة التي تستوجب الوقوف عندها بدقة، لما لها من أثر مباشر على صحة الصوم وما يترتب عليها من أحكام مغلظة. وقد وردت تساؤلات كثيرة لدار الإفتاء المصرية من أشخاص وقعوا في هذا المحظور ويبحثون عن مخرج شرعي، خاصة عند عدم القدرة البدنية أو الصحية على صيام شهرين متتابعين.
في هذا المقال، نستعرض الحكم الشرعي والتدرج في الكفارة كما توضحه دار الإفتاء.
أولاً: حكم الجماع في نهار رمضان
اتفق الفقهاء على أن الجماع في نهار رمضان هو أشد مفسدات الصوم إثماً، وهو محرم شرعاً على من وجب عليه الصيام.
فمن فعل ذلك عامداً مختاراً، فقد فسد صومه، وعليه التوبة الصادقة إلى الله تعالى، وقضاء هذا اليوم، بالإضافة إلى إخراج **الكفارة المغلظة**. ترتيب الكفارة المغلظة
بناءً على السنة النبوية المطهرة، فإن الكفارة تأتي على الترتيب التالي:
1. **عتق رقبة مؤمنة:** (وهذا غير متاح في عصرنا الحالي لانتهاء نظام الرق).
2. **صيام شهرين متتابعين:** (60 يوماً دون انقطاع).
3. **إطعام ستين مسكيناً:** وذلك في حال العجز التام عن الصيام.
ثانياً: “لا أستطيع صيام 60 يوماً”.. ماذا أفعل؟
هذا هو السؤال الجوهري الذي أجابت عنه دار الإفتاء. القاعدة الشرعية تقول: **”المشقة تجلب التيسير”**، ولكن هذه المشقة يجب أن تكون حقيقية وليست مجرد تكاسل.
### 1. تحديد نوع “عدم القدرة”
تفرق دار الإفتاء بين نوعين من عدم القدرة:
* **عجز مؤقت:** مثل التعب العارض أو انشغال بجدول عمل شاق يمكن تنظيمه. في هذه الحالة، يبقى الصيام واجباً في ذمة الشخص حتى تتهيأ له الظروف.
* **عجز دائم أو مستمر:** مثل كبار السن، أو أصحاب الأمراض المزمنة التي يقرر الأطباء معها أن الصيام الطويل يضر بصحتهم ضرراً بالغاً، أو من يعانون من مشقة فوق الطاقة لا يمكن تحملها (مشقة غير معتادة).
### 2. الانتقال إلى الإطعام
إذا ثبت يقيناً (بناءً على رأي طبي أو واقع ملموس) أن الشخص لا يستطيع صيام الشهرين المتتابعين، ينتقل هنا إلى الخيار الثالث وهو **إطعام ستين مسكيناً**.
**تنبيه هام:** لا يجوز الانتقال للإطعام لمجرد “الاستسهال”، بل يجب أن يكون الصيام متعذراً فعلاً.
ثالثاً: تفاصيل إطعام 60 مسكيناً
أوضحت دار الإفتاء كيفية تنفيذ هذه الكفارة:
* **مقدار الإطعام:** إطعام 60 مسكيناً من أوسط ما تطعمون أهليكم. ويمكن إخراجها في صورة وجبات مشبعة (غداء أو عشاء)، أو في صورة حبوب (كالقمح أو الأرز) بمقدار “مد” لكل مسكين (حوالي 510 جرامات تقريباً، والبعض قدرها بـ 750 جراماً للاحتياط).
* **القيمة النقدية:** تجيز دار الإفتاء المصرية إخراج قيمة الإطعام “نقداً”، وهي مصلحة للمسكين ليشتري بها ما يحتاجه. وتحدد الدار سنوياً حداً أدنى للفدية أو الكفارة يمكن القياس عليه.
* **هل يجوز إعطاؤها لمسكين واحد؟** الرأي الراجح عند الجمهور هو ضرورة تعدد المساكين (60 مسكيناً)، بينما أجاز الحنفية تكرار الإعطاء لمسكين واحد لمدة 60 يوماً.
رابعاً: هل تسقط الكفارة بالجهل؟
سؤال آخر يتكرر: “لم أكن أعلم أن الكفارة مغلظة بهذا الشكل”.
تؤكد الفتوى أن الجهل بالعقوبة لا يعفي منها طالما أن الشخص يعلم بحرمة الفعل نفسه. فبمجرد علم الصائم بأن الجماع في نهار رمضان حرام، وجبت عليه الكفارة والقضاء سواء علم بتفاصيل الـ 60 يوماً أم لم يعلم.
خلاصة النصيحة
إذا كنت لا تستطيع الصيام لأسباب صحية معتبرة، فالشرع يفتح لك باب الرحمة عبر الإطعام. عليك التوجه لدار الإفتاء أو الاتصال بخطهم الساخن (107) لشرح حالتك الصحية بالتفصيل والحصول على فتوى خاصة تناسب وضعك، مع ضرورة الالتزام بقضاء اليوم الذي أفطرته.
**تذكر دائماً:** أن الصيام عبادة، والستر من الله نعمة، والتوبة تجبُّ ما قبلها، فبادر بتبرئة ذمتك بما تستطيع.