Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
قصص قصيرة

عاملة البناء

إن كنت قد وصلت إلى هنا عبر فيسبوك على أمل أن تعرف ما الذي حدث فعلا لروبرتو ولعاملة المصنع الغامضة التي كانت عيناها تشبهان عيني ابنته المفقودة فتوقف قليلا.
ما سيأتي بعد ذلك أشد قتامة وأكثر ألما وأعقد بكثير مما توقعه أي شخص.
هذه ليست قصة بسيطة.
إنها قصة تنحني وتنكسر وترفض أن تتركك تمضي دون أثر.
اندفع مشرف الموقع نحونا وقد احمر وجهه غضبا.
قال بصوت حاد
السيد ميندوزا! ابتعد فورا عن تلك الفتاة!
التفت إليه مذهولا بينما كانت يدا لوسيا لا تزالان بين يدي.
قال بحدة
إنها مصدر مشكلات.

لم يمض على وجودها هنا أسبوع واحد وقد بدأت بالفعل بإثارة المتاعب. لا يحق لها إزعاج المستثمرين!
انتزعت لوسيا يديها فجأة وكان جسدها كله يرتجف.
قالت بصوت مرتعش
لم أفعل شيئا خاطئا يا دون أرتورو. هو الذي أمسك بي.
في داخلي انكسر شيء ما شيء لم أشعر به منذ اليوم الذي اختفت فيه صوفيا.
قلت بصرامة
انتبه إلى كلامك. لن تتحدث إليها بهذه الطريقة. لم ترتكب أي خطأ.
حدق بي المشرف وكأنني فقدت عقلي.
قال ساخرا
مع كامل احترامي يا سيدي أنت لا تعرف هؤلاء الناس.

يظهرون من العدم بلا أوراق بلا ماض يختلقون القصص لاستدرار الشفقة.
أشعلت كلماته غضبي لكنها زرعت في داخلي أيضا بذرة شك.
بلا أوراق
نظرت إلى لوسيا مجددا. كانت تحدق في الأرض لكن خوفها كان واضحا. لم يكن خوف فقدان العمل بل خوفا أعمق.
سألتها بهدوء
أين تسكنين
ترددت وعضت

شفتها.قالت
في غرفة مستأجرة. في سان ميغيل.
ومع من
مع جدتي.
ووالداك
تصلب فكها وانحدرت دمعة واحدة على خدها المتسخ.
قالت
لا أعرفهما يا سيدي. تقول جدتي إنهما تركاني وأنا رضيعة.
مال العالم من حولي.
رضيعة.
متروكة.
جدة.
بدأت القطع تتشكل في صورة لم أرد رؤيتها.
كم عمرك
قالت
ثلاثة وعشرون أظن. جدتي غير متأكدة.
ثلاثة وعشرون.
كان من المفترض أن تبلغ صوفيا الثالثة والعشرين.
تنفس المشرف بضيق وقال
سيد ميندوزا هذا هراء
صرخت
كفى! أنت مقال من عملك.

اعتبارا من هذه اللحظة. غادر.
شحب وجهه. فتح فمه ليجادل ثم عدل عن ذلك وانصرف يتمتم بكلمات غاضبة.
عندما بقينا وحدنابقدر ما يسمح به وجود عشرات العمال يراقبونانحنيت إلى مستوى لوسيا.
ارتعدت.
قلت بلطف
لن أؤذيك. أحتاج فقط أن تستمعي إلي. قبل عشرين عاما اختفت ابنتي. اسمها صوفيا. كانت في الثالثة من عمرها. كانت لها عيناك. وكان لها ثلاث شامات صغيرة على عنقها هنا تماما.
وأشرت إلى الموضع.
رفعت لوسيا يدها إلى عنقها دون وعي.
همست
كثير من الناس لديهم شامات.
قلت
ليس مثلها. كانت تشكل مثلثا دقيقا.

كانت زوجتي تسميها حزام الجبار.
انحبس نفسها.
قالت بصوت خافت
جدتي دائما تقول إن نمشي خاصة. علامة من السماء.
شعرت وكأن صدري ينشق.
قلت
هل تسمحين لي برؤيتها
ترددت. ثم ببطء أرخت سترتها وأنزلت ياقة قميصها.
كانت هناك.
ثلاث نقاط داكنة.
مصطفة بدقة.
نجوم الجبار.
خانتني ساقاي. سقطت في الوحل أبكي كما لم أبك منذ دفن زوجتي.
صرخت
إنها أنت أنت طفلتي الصغيرة أنت صوفيا!
بكت لوسيا أيضا لكن دموعها كانت دموع حيرة.
قالت
لا أفهم لست ابنتك. جدتي هي التي ربتني.

سألتها
ما اسمها
قالت
مرسيدس فوينتس.
لم يعن الاسم شيئا بالنسبة لي لكن ذلك لم يثبت شيئا.
من يأخذون الأطفال نادرا ما يحتفظون بأسمائهم الحقيقية.
قلت
يجب أن ألتقي بها. أرجوك. يجب أن أتحدث معها.
مسحت لوسيا وجهها.
قالت
إنها مريضة جدا. بالكاد تغادر سريرها.
قلت
إذا سأذهب إليها. أرجوك. دعيني.
نظرت إليبتلك العينين الخضراوين عيني زوجتي عيني صوفيا
وأومأت.
أمرت السائق بالتوجه إلى سان ميغيل.
جلست لوسيا بصمت في المقعد الخلفي. لم أستطع التوقف عن مراقبة انعكاسها في المرآةكل حركة كل إيماءة.

هل كانت صوفيا تبتسم هكذا
هل كانت تعبس بالطريقة نفسها
عشرون عاما تغير كل شيء.
قال السائق بهدوء
هل أنت متأكد يا سيدي
قلت
أكثر يقينا من أي وقت مضى.
كان الحي مختلفا تماما عن المدينة التي أعرفها.
طرق ترابية. أسطح من الصفيح. أسلاك مكشوفة تتدلى فوق الرؤوس.
بدا سيارتي كأنها كائن غريب.
قالت لوسيا وهي تشير
ذلك البيت.
كان بيتا صغيرا أزرق باهتا.
نزلنا وتبعنا نظرات الفضوليين.
فتحت لوسيا الباب بمفتاح صدئ.
نادت
جدتي أحضرت شخصا.
ضربتني الرائحة أولارطوبة مرض فقر.

كان البيت غرفة واحدة.
امرأة مسنة مستلقية على سرير ضيق ملفوفة بأغطية خفيفة. بدا جسدها هشا وعيناها غائمتين.
لكن ما إن رأتني حتى زال الغيم وحل مكانه الرعب.
همست
من هذا
قالت لوسيا
إنه رب عملي. صاحب الشركة.
حاولت العجوز الجلوس ثم انفجرت في سعال حاد. أسرعت لوسيا لمساعدتها.
بقيت قرب الباب.
كانت الصور تغطي الجدرانلوسيا طفلة مراهقة خريجة.
لكن لا صورة واحدة لها وهي رضيعة.
قلت
دونا مرسيدس أحتاج إلى إجابات.
مسحت فمها وكان الدم على أصابعها.
قالت
ليس لدي ما أقوله.

من أين جاءت لوسيا
كان الصمت خانقا.
نظرت لوسيا بيننا.
قالت
جدتي ماذا يقصد
أغمضت دونا مرسيدس عينيها.
همست
كنت أعلم أن هذه اللحظة ستأتي.
تسارع قلبي.
قالت لوسيا
أي سر
نظرت إليها العجوز بحب لا يحتمل.
قالت
سامحيني يا ابنتي.
صرخت لوسيا
ماذا فعلت قولي!
التفتت العجوز إلي.
قالت بحزم
لم أسرقها. لقد أنقذتها.
تجمدت.
صرخت وقد خرج صوتي كأنه ليس صوتي
أنقذتها! لقد أخذت ابنتي!
ارتجفت العجوز وبكت كأن بكاءها اعتراف وكأن دموعها اعتذار متأخر لا ينفع.

رفعت يدها المرتعشة إلى صدرها وقالت بصوت متقطع بين السعال والدموع
لا لا! والله ما سرقتها! وجدتها! وجدتها وحدها متسخة جائعة تتشبث بالحياة بصعوبة. لم يكن أحد يبحث عنها!
تقدمت خطوة وأنا أكاد أختنق وقلت بعناد رجل لا يريد أن يصدق ما يسمع
هذا مستحيل! بحثنا في كل مكان قلبنا المدينة رأسا على عقب استنفرنا الشرطة نشرنا صورها لم نترك بابا إلا وطرقناه!
هزت رأسها بمرارة وكأنها تعرف مسبقا ما سأقول وما سأرفضه ثم قالت بصوت أهدأ ولكنه أشد إيلاما
ذلك حدث لاحقا بعد أيام.

حين وجدتها كانت قد بقيت وحدها أياما تأكل من القمامة وتبكي ثم تسكت ثم تبكي

كأنها استنزفت دموعها.
في تلك اللحظة شعرت كأن الهواء انسحب من صدري دفعة واحدة.
لم تعد الغرفة غرفة. ولم يعد الوقت وقتا.
صارت الكلمات مرايا وكل مرآة تريني خطأ قديما كنت أهرب منه.
تابعت دونا مرسيدس وكأنها تفرغ سرا أثقل من عمرها
زوجي كان يعمل في المخفر. قال لي إن أعدتها الآن سيتهمونني سيقولون إنني أنا من أخذتها. ولن يصدقني أحد. الناس لا يصدقون امرأة فقيرة تقول إنها وجدت طفلة تائهة لا يصدقون النوايا الطيبة. فخفت وخبأتها ثم صارت ابنتي.
انهارت لوسيا باكية وكأن الحقيقة سقطت على رأسها حجرا.

كانت تحدق في جدتها كما لو أنها تراها لأول مرة ثم التفتت إلي ثم عادت تنظر إليها.
بين نظرة ونظرة كانت حياتها كلها تتبدل.
قالت لوسيا بصوت يتكسر
قولي إن هذا غير صحيح قولي إنه سوء فهم قولي إنني لست
لكن الحقيقة كانت تتقدم في داخلي بلا رحمة كشيء يعرف طريقه لا يلتفت لاعتراضاتي ولا لكرامتي ولا لقلبي.
تذكرت تذكرت يوم ضياع صوفيا كما لو أنه يحدث الآن.
كنت واقفا في الحديقة والهاتف ملتصق بأذني أحسب الأرباح وأغلق صفقة أبتسم لمستثمر من بعيد وأعتقد أن ابنتي تلهو على مرمى بصري.

كنت أظن أن وجودها قرب قدمي يكفي وأن الطفل لا يضيع ما دام الأب موجودا في المكانلكنني كنت موجودا بجسدي فقط.
أما عقلي فكان في المال.
زوجتي كانت مريضة في المنزل. جسدها واهن وروحها مثقلة.
والمربية كانت جديدة. شابة. متحمسة بلا خبرة. ظننت أن الأمر بسيط وأن الأطفال لا يحتاجون أكثر من عين تراقبهم.
ولم أفهم إلا متأخرا أن عينا بلا قلب قد تخطئ ثانية واحدة تكفي ليمحى عمر كامل.
عندما أدركت أن صوفيا ليست هنا قلت لنفسي لا بد أنها مع أمها.
ثم قلت ربما أخذتها المربية للحظة.

ثم قلت قد تكون عند قريب.
كل احتمال كان يبدو منطقيا في البداية وكل منطق كان يؤجل الرعب.
مرت الساعات ثم الأيام ولم أتصل بالشرطة فورا.
ترددت. خفت من الفضيحة. خفت من السؤال الذي سيقال كيف يضيع طفل رجل مشهور
وبين خوف وخوف تمدد الغياب.
ثم جاءت البيروقراطية وجاء الشك وجاءت كثرة الأبواب التي تفتح متأخرة.
وعندما ظهر الخبر أخيرا في الإعلام كان أسبوع قد مر.
أسبوع كامل كفيل بأن يبتلع طفلة صغيرة في مدينة كبيرة.

كانت دونا مرسيدس محقة في شيء واحد شيء يقـ,ـتلني الآن
لقد فقدت ابنتي قبل أن يأخذها أحد.
فقدتها لحظة اخترت الهاتف بدل يدها الصغيرة.
جلست على الأرض لأنني لم أعد قادرا على الوقوف.
لم تعد ساقاي تحملاني ولا كبريائي يسعفني ولا المال الذي جمعته يشتري ثانية واحدة تعيد الزمن.
كانت لوسيا تضم نفسها ترتجف كأنها قطعة زجاج تخاف أن تتحطم.
وقالت بصوت مكسور أقرب إلى همس طفل ضائع
إذا أنا صوفيا
أومأت العجوز وعيناها ممتلئتان بدموع ترفض السقوط وكأنها تعبت من البكاء
كنت دائما لكنك كنت أيضا لوسيا. أنا ربيتك. أحببتك.

لم أعرف كيف أقول الحقيقة ولم أعرف كيف أعيدك ثم صرت حياتي.
صرخت لوسيا وصرخت معها سنواتها كلها
كذبت علي طوال حياتي!
قالت العجوز بصوت فيه دفاع وفيه رجاء
حميتك طوال حياتك. هل كان أفضل أن تكبري وأنت تعلمين أن والديك الحقيقيين أضاعوك بإهمالهم هل كان أفضل أن تحملي هذا الجرح منذ طفولتك
كانت كلماتها سكاكين.
لأنها كانت محقة في جانب لا أريد الاعتراف به.
نعم أنا أهملت ابنتي.
أنا الذي انشغل عن طفلته.
أنا الذي ترك فراغا دخلت منه الكارثة.
وعندما اختفت صوفيا لم تختف وحدها.

اختفت معها زوجتي أيضا بطريقة أخرى.
سقطت في اكتئاب عميق لم تتعاف منه.
كانت تنظر إلى باب البيت كأنه سيعيدها ثم تبكي في صمت ثم تصمت أكثر.
ماتت بعد عامين.
قال الطبيب أزمة قلبية.
أما أنا فكنت أعرف
ماتت حزنا. ماتت ذنبا. ماتت بقلب لم يتحمل الغياب.
وأنا
واصلت العمل.
أبني الأبراج وأجمع المال وأغير المدن وأتهرب من المرآة.
كنت أحاول أن أملأ الفراغ بالأشياء لكن الفراغ لا يمتلئ.
حتى جاء هذا اليوم ورأيت تلك العينين في موقع بناء.
فانهار كل ما بنيته في داخلي.

سألتني لوسيا وهي تنظر إلي بوجع لا تعرف اسمه
ماذا تريد مني ماذا تتوقع أن أفعل
لم أملك إجابة جاهزة.
لأن الحقيقة أنني لم أكن أبحث عن خطة كنت أبحث عن نجاة.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى