كانا “يتحدثان”، أو بالأدق آرثر يتكلم بينما دانيال يستمع بعينين فارغتين. كان يردد: العالم بالخارج يزداد سوءًا، المخدـ . ـرات في كل مكان، العنــ . ــف والانحلال. هنا أنت بأمان يا دانيال، هنا لن يؤذيك أحد. في الشهور الأولى، صرخ دانيال وتوسل وضـ,ـرب الجدران حتى نزفت قبـ . ــضتاه، لكن الغرفة كانت معزولة صوتيًا بإتقان. آرثر كان قد فكّر في كل شيء. ومع الوقت، صار دانيال أكثر صمتًا واستسلامًا تدريجيًا.
آرثر نفسه كان يشيخ. في عام 2003 بدأت آلام الصدر والإرهاق المستمر. تجاهل الأعراض طويلًا قبل زيارة الطبيب. جاء التشخيص قاسيًا: سـ ـرطان البنكرياس، مرحلة متقدمة، خبر حطّم ما تبقى من طمأنينته. كم من الوقت؟ سأل بصوت جامد. بدون علاج، ربما أشهر قليلة. مع علاج قاسٍ، سنة محتملة. رفض العلاج. كان في السابعة والسبعين، رأى أنه عاش بما يكفي، لكن ظل سؤال دانيال يطارده بلا رحمة. لم يستطع إطلاق سراحه؛ دانيال سيكشف كل شيء. ولم يستطع تركه يمـ,ـوت جوعًا بعد رحيله. بعد أسابيع من الصراع، اتخذ قراره المرعب: تقليل الزيارات والطعام، نهاية سريعة يبررها بالشفقة.
في يوليو 2004، توقف عن فتح الأقفال، وتوقف عن النزول إلى القبو. في الأعلى كان يصارع مـ,ـوته البطيء، وفي الأسفل كان دانيال يصارع مصيره القاســ . ــي، وحيدًا داخل العتمة الخانقة. أُصيب دانيال بالتهاب رئوي. دون علاج، تدهورت حالته بسرعة. وبقايا قوة يائسة، كتب على الجدران بأي شيء متاح: دم لثته، فحم قديم، وحتى بقايا طعام جاف. السنة الثالثة عشرة. أنا مريض. جدي لا يأتي. أظنه يتركني أمـ,ـوت. أبي، إن وجدت هذا يومًا، فاعلم أنني لم أتوقف عن حبك أو انتظارك. في أغسطس 2004، مات دانيال كاربالو وحيدًا قبل بلوغه الثلاثين.
ظل جسده على مرتبة متسخة، ويده ممدودة نحو الباب كأنه يلامس الحرية في آخر أنفاسه. آرثر، الأضعف من النزول، أدرك النهاية. شعر براحة مشوّهة، مقتنعًا أن دانيال أصبح أخيرًا في سلام. في 15 يناير 2005، مات آرثر كاربالو في سريره. جارة قلقة أبلغت الشرطة. سُجلت الوفـ,ـاة طبيعية. كان عمره تسعة وسبعين عامًا. تم الاتصال بتوماس، وريثه الوحيد، بعد قطيعة امتدت شهورًا. شعر توماس بالذنب لغيابه، وبراحة غامضة أيضًا. الآن يمكنه بيع المنزل، إغلاق الصفحة، المضي قدمًا. لم يعلم أن الإغلاق الحقيقي كان على وشك أن يبدأ بطريقة أشد رعبًا مما تخيّل.
دخل توماس المنزل أواخر يناير 2005، بعد أسبوعين من الجنازة. أجّل المهمة هربًا من الذكريات. احتاج البيت للتفريغ والتصنيف استعدادًا للبيع. استعان بماريا للمساعدة في الأعمال الشاقة. بدآ بالطابق السفلي، يعبئان أطباقًا وكتبًا وأثاثًا صغيرًا. كل شيء مغطى بطبقة غبار رفيعة. بدا واضحًا أن والده عانى في شهوره الأخيرة. نادته ماريا من غرفة الطعام متسائلة عن الصور. وجد صناديق مليئة بألبومات العائلة. قلب الصفحات، شاهد حياته تتوالى: والدان شابان، طفولة، زواج، ميلاد دانيال. توقف عند صورة لطفل بلا أسنان أمامية، يبتسم بثقة بريئة موجعة.
قال بصوت مبحوح: ضعي الصور في صناديق منفصلة، سأحتفظ بها. بعد ثلاثة أيام من العمل، لم يتبقَّ سوى الطابق العلوي. صعد السلالم بتردد ثقيل، كأن البيت نفسه يحبس أنفاسه انتظارًا. وقفت ماريا خلفه. كانت غرفة والده آخر مكان يرغبان في دخوله. هنا قضى آرثر أيامه الأخيرة. رائحة الغرفة خانقة، مزيج من العزلة والمرض والمـ,ـوت. السرير غير مرتب، وقوارير الدواء مصطفة بصمت ثقيل موجع. رغم تعقيد علاقتهما، ظل هذا أباه. خزانة خشبية ضخمة تهيمن على الجدار، قطعة قديمة من الأربعينيات، محفورة يدويًا. تذكّرها توماس منذ طفولته. قالت ماريا: سنحتاج مساعدة لتحريكها، وزنها هائل فعلًا.
قال توماس بهدوء متعب: سأتصل ببعض الأصدقاء غدًا. الآن لنفرغ الأدراج. لكن شيئًا أزعجه، انقباض غامض لا اسم له. دار حول الغرفة، يطرق الجدران، يصغي للصدى المتكرر بحذر. في معظم المواضع كان الصوت صلبًا، ثابتًا. لكن خلف الخزانة بدا مختلفًا، أجوف قليلًا. تمتم: ماريا، ساعديني. ردّت مترددة: سيد كاربالو، إنها ثقيلة جدًا علينا نحن الاثنين، بالكاد يمكن تحريكها. قال بإصرار خافت: فقط قليلًا لنرى ما خلفها. هناك شيء غير طبيعي. وبجهد كبير أزاحا الخزانة ثلاثين سنتيمترًا. ظهرت خلفها جدران جبسية، وفي الوسط إطار مستطيل باهت يشبه بابًا مخفيًا.
تسارع نبض توماس بعنــ . ــف. قال مذهولًا: هذا غير منطقي. لماذا يُخفى باب خلف خزانة؟ مرّر أصابعه على الحواف. لم يكن مختومًا. باب معدني معزز، مطلي بلون الجدار، تتدلى عليه سبعة أقفال مختلفة. همس: يا إلهي، ماريا… ما هذا؟ حاول فتح الأقفال، كلها مغلقة بإحكام قاسٍ. قال بارتباك: لا بد من مفاتيح في مكان ما. قضيا ساعتين يفتشان المنزل بجنون متوتر بلا نتيجة. قالت ماريا أخيرًا بصوت مرتجف: ربما يجب إبلاغ الشرطة؟ باب غريب في غرفة والدك… قد يكون مخزنًا قديمًا أو ممر صيانة. لكنها لم تصدق كلماتها. سبعة أقفال لا تحرس فتحة عادية.
اتصل توماس بحداد أقفال. وصل الرجل بعد ساعة، تأمل الأقفال وصفّر بقلق: الأمر سيستغرق وقتًا وسيتلف الباب. هل أنت متأكد؟ أجاب توماس بلا تردد: نعم، افتحه مهما كلف. عمل الحداد ثلاث ساعات تقريبًا. فتحت الأقفال الأربعة الأولى بسهولة نسبية بأدواته المتخصصة. أما الثلاثة الأخيرة فكانت أعند، اضطر لقطع أجزاء من المعدن حتى انطلق أخيرًا صوت نقرة نهائية حاسمة. قال الحداد وهو يجمع أدواته: تم. ما خلف هذا الباب مهم لشخص ما بالتأكيد. دفع توماس أجره وانتظر مغادرته. بقيت ماريا، فضول ممزوج بخوف واضح، يكسو ملامحها الصامتة المتشنجة.
سألته بخفوت: أتريدني أن أرحل؟ قال: لا، ابقي. لا أعلم ما هناك، لكنني سأحتاج شاهدًا. تنفس بعمق، أمسك المقبـ . ــض المعدني، ودفع الباب ببطء ثقيل نحو الداخل المظلــ . ــم. أول ما ضـ,ـربه كان الرائحة، عفـ,ـن خانق من تحلل ورطوبة وشيء آخر أقدم، محبوس طويلًا. ثانيًا كانت الظلــ . ــمة. تحسس الجدار حتى وجد مفتاحًا. أضاء مصباحًا وحيدًا خافتًا مرتعشًا. انكشف المكان. غرفة صغيرة تقريبًا، ثلاثة أمتار في أربعة. الجدران مغطاة بعازل صوتي مرتجل، ألواح إسفنجية غير متساوية. في الركن فراش رقيق ملطخ. بجانبه دلو بلاستيكي استُخدم كمرحاض.
تناثرت أطباق بلاستيكية، بعضها يحمل بقايا طعام متحجر. وعلى الفراش… هيكل عظمي. صرخت ماريا، يدها تطير إلى فمها. تجمد توماس، عاجزًا عن الحركة أو التنفس أو الفهم. كان الهيكل يرتدي خِرَقًا بالية. سلسلة صدئة تطوق ما كان كاحلًا، ملحومة بحلقة معدنية في أرضية خـ.. ـرسانية. اليدان ممتدتان نحو الباب، كأن صاحبهما كان يتوسل النجاة حتى اللحظة الأخيرة. قالت ماريا بفزع: توماس، تراجع خطوة. تعثر وسقط إلى جدار الممر، أنفاسه متقطعة يائسة. تمتم مذعورًا: اتصلي بالشرطة… الآن. ارتجفت أصابعها وهي تحاول طلب الرقم بصعوبة بالغة.
أجبر نفسه على النظر مجددًا. عندها رأى الجدران. كل سنتيمتر مغطى بالكتابة، كلمات مخطوطة بمواد مختلفة: دم، فحم، وبقايا طعام جاف. بعضها باهت، وبعضها يصرخ بيأس موجع. اليوم الأول: قال جدي إن الأمر مؤقت. سأخرج قريبًا. اليوم السابع والأربعون: توقفت عن عد الأيام. لم يعد يهم. السنة الثانية: أبي، أين أنت؟ لماذا لا تبحث عني؟ السنة الخامسة: نسيت شعور الشمس على جلدي. نسيت أصوات البشر، إلا صوته. أحيانًا أتساءل: هل العالم خارج هذه الجدران حقيقي، أم كان حلمًا بعيدًا تلاشى ببطء؟
السنة الثامنة: أحضر كتابًا اليوم. قال إنه يبقيني متعلمًا. لا يهمه أنني قرأته أربع عشرة مرة. السنة الحادية عشرة: حاولت إنهاء حياتي. السلسلة أقصر من أن تساعدني.